الشيخ داود الأنطاكي

144

النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة

مرطوب وبالعكس . ولكل فصل حكم . والعدل معلوم من الطرفين ، إلّا ترى أن الصيف إذا كان شمالياً قليل المطر وكان الخريف ضده والشتاء كالصيف اشتد الصداع والرمد والحميات الغائرة ؛ لاحتباس الرطوبة ، وإذا كانا شماليين صح المرطوبون واشتد نحو الوسواس والجنون والسعال اليابس ، إلى غير ذلك . هذا كله مع تهيؤ المواد القابلة لما ذكر ، فإن الهواء جزء علة في ذلك ؛ إذ ليس له إلّا الفاعلية . خاتمة قد حصرت طوارئ الهواء في علوية تكون من قبل اجتماع الكواكب على قطر مخصوص ، فيسخن ضرورة بانفصال اشعتها ، إن كانت مسخنة ويرطب إن كانت رطبة ، وه كذا . وقد عرفت حكم الكواكب سابقاً . وفي سفليه فيجف بالدخان والرمل والحجر ، ويرطب بنحو الماء والبخار ، ويسخن بنحو النار بمثل الثلوج ، ويعفن بنحو الجيف والمنافع والترب الكبريتية ، فإن انفق المغير في جهة تناسبه ، افرط التغيير في ذلك الطبع وأضر بأهله كالماء في الغرب ، والا اعتدل مطلقا كالماء في جهة المشرق ، أو من وجه كالنار من جهة الشمال ، وكل ساتر جهة يوجب ضدها إلّا الجبال ؛ لأنها مع ايجابها ذلك تسخن البلد إذا كانت في جهة المغرب تسخيناً عرضيا ؛ لانعكاس الشعاع على البلد عند طلوع الشمس ، كذا قالوه . وعندي : انه جار على الأصل فإنها وإن فعلت ذلك أول النهار فهي تعكسه اخره فيحصل الاعتدال ، فعلى هذا يكون للمساكن مع ذلك احكام بسبب الطوارئ المذكورة ، فأهل المساكن اليابسة كثير والجفاف والقحولة وصيفهم شديد الحر وشتاؤهم كثير البرد ، وأبدانهم صلبة قوية ولهم الشجاعة وسوء الخلق وقلة القروح ، فإن كانت شمالية حسنت ألوانهم وطالت أعمارهم وعرضت اعاليهم وبالعكس ، ولهم ذات الجنب والرئة وقلة السقط والرعاف والرمد والصرع وضعف الهضم ، فإن عرض لهم شيء من